الثلاثاء، 20 أغسطس 2013

الأنثى الآمرة



أيّتها الأنثى الآمرة متى أصبحت قاضيا في محكمة لا يوجد فيها مدّع ولا متّهم إلاّ أنت تستمتعين بإصدار حكمك عليّ بالنّفي الأبدي داخل قفص قلبك من غير طعن أو إعادة نظر في القضيّة ، فلا تدعيني أستأنف الحكم بامرأة أخرى تحاربك بنفس السّلاح ... فلا يوجد أقسى للأنثى من وجود أنثى أخرى تكسر حلبتها العاطفيّة من غير نزال .... أعترف أنّ حكمك القاسي بالنّفي يعجبني جدا ... لكنّي أخاف عليك من كثرة حركتي بداخلك ومشاكساتي الكثيرة لمقلتيك فحاذري من تعثّري المفاجئ بك لحظة تكونين في غفلة عن العالم ولا يسعك سوى أن تمسكي بيديّ كي تنامي وسط الظلام الذي تخافينه كطفلة لم تنضج بعد ... فلا تتركي ألعابك ودببة الصّوف تلعب دوري لأنّ الحياة الورقيّة لا تطفئ جميع الحرائق التي تشعلها محطّات الانتظار ، كم يلزمك من وقت حتّى تصلي إليّ مهزومة من نفسك ومنتصرة بي ، كم تبقّى لك من عمر تعيشينه مشيا بحثا عنّي يمنعك كبرياؤك المنفوخ وهزال فشلك أمامي ينتشي قامته وكأنك غير قادرة على العوم بعيدا عن حوض أفكاري ... أيّتها الآمرة الجميلة لملمي مساحيقك المبعثرة من فوق دفاتري وأقنعيني أنّي فعلا لن أغادر قفصك الصدري... وأنّي سأبقى أبد الظهر أسيرا لشفتيك... منعدمة الرّحمة أنت تمنعينني من التجوال خارج محيط ذكرياتك وأفكارك ،ومن ممارسة حرّيتي داخل قلبك ، ومن أخذ استراحتي بعيدا عن زنزانة أحضانك ..وأيّ محاولة للعصيان ستجرّني حتما إلى متاعب لا نهاية لها رأسها الأوّل مداد كلماتك ... وأطرافها غيرتك المجنونة التي لا مكبح لها ونهايتها أنا .... الضحيّة الوحيدة لمحكمتك الظّالمة .
خديجة ادريس



الاثنين، 19 أغسطس 2013

رسالة من ماء



كتبت له رسالة على ظهر ورقة ، وحمّلت البحر مهمّة أن يوصلها إليه ... هو لا يعرف البحر والبحر أيضا لا يعرفه لكنّ الصدفة تعرف كلاّ منهما ، حتّى أنها صارت تعرفني انا أيضا لذلك تشجّعت في كتابتها لأقول له بمطر الشّوق .... وأمل الوصول أنّها مشتاقة إليه وتنتظره عند عتبة الموج كلّ يوم علّه يطلّ على شكل سفينة منسية افتقدها القدر واعادها لواجهة المراسي كي تعرف لها طريقا إلى قلب واحد أسكن علبة من ورق جميع أسراره وأودعها البحر ..... علّها تصل بخير ... غير أنّ قلب ما تحمله تلك العلبة ليس بخير ... لا قدرة له على الإبحار مجدّدا ...وكأنّ يدا ما تعيده إلى الخلف مرغما وتحثّه على الفشل ... فلا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة هو لا يعرف أنّ الحياة عندها حرفها وديدنها صوته ورأس بدايتها حضوره ... بقيت واقفة على امل أن تبتعد تلك الرسالة قليلا فكانت تبدو من بعيد كحبّة حلوى يتعجّل البحر في التقاطها وكأن له فما لا يصلح إلا لابتلاع الأسرار وهضم قلوب منتصبة عند شاطئه تنتظر شيئا سيعود يوما أو عاد و تأخّرت ربما في الوصول أليه .... آخر ما قالته في نفسها مودّعة تلك الرسالة بناظريها أن عودي إليّ قريبا بعطر من احبّ واحملي لي معك علامة وصولك إليه وعودتي إليه من غير سفر .... هي هكذا سطوة بعض الحروف تغرق من بعيد قلب من تحبّ ولو ظلّت أبد الظهر تكتب في الهواء ..... غريب أن أشرك البحر في مهمّة البحث عنك .... وكأنّ له قلب أدمن الوجع حتّى صار بئرا معطّلة تصبّ فيها جميع القلوب التي أرهقها موج البعد ... وزبد الشّوق ... ومدّ القدر ....
خديجة ادريس




السقوط الهادئ




تسقط بعض الأشياء بداخلنا عنوة من غير أن تحدث جلبة أو صوتا ، وكأنّها عاصفة خرساء تبحث عن كلمات .لم تعد لرقعة البكاء متّسع لمزيد من الشّجارات ومحاولات لافشال طموح ولد من غير مخاض وكأنّه لعنة تكتم في سرير الطلق صراخها ، وتمارس طقوس موتها الشهيّ ، وتزفّ روحها لنعش طاردها طويلا واستسلمت له أخيرا من غير مناديل ورقيّة ... فتتحوّل كلّ الامنيات إلى مقابر ترقد فيها جميع الرّغبات ... فيتأخّر مخاض السّقوط على شكل رذاذ من أعلى ناطحات تسكنها مشاعرنا ... وترغمنا أفكارنا على ابتلاع آخر جرعات صبرنا لنربك الحياة من حولنا قليلا، ونجعلها أكثر تقبّلا لوجع الحبّ الذي يتملّكنا ساعة تنفصل عقولنا المكابرة عن مشاعرنا المتواضعة التي تنهينا بهذا الشّكل المفاجئ من قباب للكبرياء إلى شظايا تبحث عن متنفّس لها داخل روح أخرى استوطنتنا صدفة ، وصالحتنا مع قدرنا من غير أن نحسّ بجمال ماوقعنا فيه من سقوط ... يعلو بنا نحو من نحبّ من غير أن نسعى إليه ، ويدنو بنا نحوهم وكأنّنا وصلنا إلى أنفسنا
فنضيع كالأطفالفي عمر لا حدود له ، وكانّه يجبرنا لأجل عيونهم أن نمرّغ عقولنا في تراب الزّمن ، محطّمين كلّ الشّائعات التي تنادينا من بعيد إلى نقطة انطلاقنا من غير كسر في الذّاكرة ، أو جرح يلزمنا فراش التّقاعد عن الحياة التي تنتظرنا رغم أنوفنا الجائرة أحيانا .
لا أستطيع أن انفي سقوطي الهادئ بين ذراعيك وكانّي ما سقطت من قبل بهذه الطّريقة ، كما لا أحجب عن أوراقي أيّ سقوط آخر داخل نفسي  حين تتوقّف أصابعي عن الكتابة ، او حين تنطفىء في فمي أنوار الفرح ، أو حين أجدني غير قادرة على مجالسة نفسي حين يضايقني الفشل ، وتهجرني جميع الأحلام 
هادئة أنا ولازلت في طريقي نحوك وكانّي أدمنت لغة السّقوط على يديك من كثرة ما صددت عصافير الاعتراف بأنّي أنثى تلزمها أكثر من وثبة على صدرك ، أو عصا تسافر بي نحو وعيك العميق من غير أن أجرّب كيفية الطيران .  
  أولى الخطوات نحو الحبّ هي ان ترمي بنفسك من أعلى ولا تبالي إن كنت ستقع حقّا بين يديمن تريد ان تحطّ رحال قلبك فيه ، وتستوطن قوافل أفكاره وصحراء عناده ، أو تجد نفسك مهشّم الأضلع في انتظارترميم وإعادة تركيب لجميع المحاولات التي باءت بالفشل .. أو التي نجحت معانقة دفاتر انجازاتها ، وسيرتها الذاتيّة في السّقوط الوفّق . فابتسم للحياة وامضي مجازفا بكلّ ما تملك لأجل سقوط كهذا ، ولا تتردّد في المحاولة وإلا عشت أبد عمرك كشجرة يابسة تأكلها نار الخيبات بمختلف أنواعها.
فما أجمل لو يتحدّى الانسان بعضه ويثبت أنّه قادر على مشاكسة الحياة بقليل من الثّقة وكثير من الحبّ . المهمّ أن تجتاز علوّ ما ترغب فيه مهما كان شاهقا ... وتنزل برفق من غير مقاومة .. وكانّك تكفر بجميع معتقداتك فلا صوت بداخلك غير الرّغبة في السّقوط وتنسى في لحظة من اللّحظات كم كنت بعيدا عنيدا في مقاومة روح اشتهتك حتّى النّزيف فجعلتك نبّيا لكلّ محاولة ..
الكتابة فيحدّ ذاتها سقوط مفاجىء يأتينا بغتة ، ولا قدرة لنا على ردّه لحظة يحتجزنا صمتنا في زوايا أنفسنا ... كذلك هو حالنامع الحبّ يخترق صمّامات امانك من دون أن تدري ، فيتعجّل كلّ جزء منك في التقاط ذبذبات العشق من بعيد لتتنفّسها بدل الهواء بحثا عن ذاتك المفقودة التي عثرت عليها يوم وجدت الحبّ وفقدت كبرياءك وانفتك في صدّ كلّ اجتياح يتحوّل بسرعة إلى احتياج ، فتصبح مفرداتك وأشيائك متواطئة في سدّ ثغرات ما كنت تعتقده عيبا لتصبح رهن إشارة الحبّ حين يضرب لك موعدا على ضفاف مدينة غريبة لا تعرف فيها سوى لافتاتها التي تعرّفك بنفسها ، وكانّك في رحلة مجنونة لاكتشاف قدراتك في البحث عمّ تريده من غير عجل ، فتجد نفسك غارقا في مدينة تسكنك ، ترفض أن تمنحك نفسها في المنازلة الاولى ، فكلّ صعب مشتهى ولكلّ بداية منتهى ، فمارس جنونك على الأشياء ودعها تأتي إليك من غير طلب ، فما أجمل ما يأتينا حين لا نطلب أبدا ... فالحبّ هو أن تعطي من غير طلب ، وأن تكتب من غير سبب ، وتسقط من غير عطب ....
أحيانا تسقط عينك من نفسك فتجد نفسك مجبرا على تغيير عاداتك السّلبية محاولا إثبات العكس ، لتعتدل صورتك التي شوّهها فشلك  وعدم تقبّلك لذاتك حين تجرّك للخلف ، ولا سبيل لك غير المحاولة .. أليست المحاولة المستمرّة للنجاح محاولة لاستعطاف قلوبنا ، واستدراج قناعاتنا حتّى لا نسقط من عيون تحوم حولنا.. قبل أن نسقط من عيون أنفسنا  
                                    خديجة ادريس

قلم يكتب


لم أعد أكتب .. أنا فقط أحجب أشعّة ضعفي وأداريها بغيم تساؤلاتي الدائمة ، وألبس الورق أحرفي عنوة وأرغمها على الكلام ... فالصّمت حين يتمادى في جبروته يخنق كلّ العبارات وتصبح الأفكار من غير معنى مكتوبة بحبر لا قلب له ولا شهيّة فيه ... أحيانا نجد أنفسنا على هامش أمنياتنا تبّع لقلة نستنشق ما يخلّف وراءه من كلمات تصبح فجأة نحن ...فلا يطاوعنا البوح ثانية ونستثنيه من أمورنا الخاصّة ... وكأنّ الكتابة عن النّفس صارت جريمة لا تغتفر ، تستوجب الاقصاء الكليّ من الحياة ... الكتابة حياة بغضّ النظرعمّ نكتبه ونؤمن به ... فما يسكننا يحلّق عاليا كأعناق الزّهور يغرينا صوتها الهادئ في تتبّع حركات صولاتها حين تهزّها الرّوح ...وبعضها طبول تقرع لا أنغام لها سوى الطّرق ، والصّخب ، ودوران غير متّفق تحدثه أصابعنا حين لا نتقن قيادة الكلمات  ..
لست ادري إن كنت على رأس الحرف أكتب أم على الهامش أمارس هواية الخطّ العربي بمختلف أشكاله ... ولا يطالني من هذا الأمر كلّه سوى زفير لأفكار تلفظ أنفاسها قبل أن يلقيها مصيرها إلى قدرها المسطّر على شكل هواء ... أو مجرّد خربشة تبحث لها عن هويّة خارج إطار الوجع الذي اعتاد علينا واعتدنا عليه ، فأصبح هناك ما يسمّى بالتعايش الحرفي بحكم تعدّد الأزمات التي يعيشها القلب لحظة يتعرّى فيها كلّ شيء من حولنا ويصبح من الصّعب مداراة احباطاتنا ، وكشف عوراتنا وما يحيط بنا من ألم يفرض علينا علله ... فنجد أرواحنا من غير وعي معلّقة تنشد لحظة حقيقة نعيشها مع قلم يكتب بصدق ، نتداوى به من جراح الزّمن ونتقوّى به فلا مشاعر بعده غير الامل من غير خوف
فالكتابة مداواة لجرح ، أو قتل ضعف ، أو تجاوز قلق ، أو اطلاق صرخة أكلها الصّمت طويلا فاحتضنها الورق حين صار البشر مجرّد اعجاز نخل خاوية ... 
في كامل وعيي  العاطفي أقرّ بجميع اخفاقاتي وتهوّراتي الكتابية ... وأسلمك روح ما قلت وما لم أقل مع كامل جنوني 
                                                    خديجة ادريس


الثلاثاء، 28 مايو 2013

مشاكسات ... غيرة




لا أستطيع أن أكتم غيرتي ... وحدها تقفز من عينيّ وتفضحني وتصرخ في وجه كلّ أنثى مرّت بقربك أو تسلّلت شقاوة إليك أو انتعلت خبثا أنثويا لتصل إليك ... جاهدة حاولت خنق أنفاسها بداخلي وسجنها في إحدى الغرف في قاع عقلي حيث ترقد كلّ الأشياء التي لم تعد صالحة للاستعمال ... غير انّي عجزت عن قصّ جانحيها وقطع زهورها قبل أن تتفتّح براعم مشاكساتها  عجزت حقّا عن ايقاف صراخها المستمرّ في وجهي ... وكأنّها منبّه لا يكلّ ولا يملّ من بعث أمواجه ورنّاته الصّاخبة في أذني ...حتّى أنّي صرت أحيانا أغار من غيرتي و أستغرب عنادها الشّرس في تملّكك وكأنّها صارت أنثى أخرى بداخلي تطالبك بمحبّتها الأبدية من دون النّساء ... جرّبت جميع المسكّنات والمهدّئات والصّيام عن الأسئلة وتتبّع حركاتك ومشاكسات عطرك والبحث المستمرّ عن آثار أنثى خلّفها صوتك وتآمر هاتفك وجيب معطفك وحذاؤك وحتّى ترصّد  أزرار قميصك وكأنّي لا أستطيع إلاّ أن أغرق في تفصيلك كي لا أترك منفذا أو ثغرة أو مساحة شاغرة تتسلّل منها أيّ امرأة ... كصرصور يستوجب قتله في الحال .. ولا أعتقدني صرت أفهم أيّ متاهة تقودني إليها غيرتي أو تخرجني منها أ و تبقيني فيها ففي كل الحالات أظلّ خلفك وأمامك ومن بين جنبيك ملتصقة بك كجلدك الذي لا تستطيع أن تتخلّص منه .....  لا يسع قلبي المريض بك سوى فعل هذا ... وإلى حين أن يخترع علماء النّفس دواء للغيرة المفرطة تقبّل منّي سيّدي جميع ازعاجاتي ومضايقاتي ومشاكساتي وحتّى ابداعاتي المتواصلة في التحقيقات معك وكأنّك بطل خرج لتوّه من جريمة مرتكبة فاتتني بعض مشاهدها وملابسات حدوثها ، فتقبّل منّي عظيم غيرتي مبتسما لأنّه لا يسعك سوى ذلك مادمت تنبض بقوّة بداخلي  


                                                            بقلم : خديجة ادريس

في عيدها لم يحضر صوتي



هذه آخر سكرات يحدثها صوتي .... في عيد لابدّ فيه من إصدار صوت

في عيدها لم يحضر صوتي ، كان أوّل وآخر الغائبين .... لم تشأ أن تطفئ شمع انتظارها بعيدا ، بل أشعلت مدخنة جوعها المثقلة بغيابي ... وانتظرتني عند عتبة باب لا يدقّّّّّّه أحد ...ما كنت يوما أنيقة معها في هجري ، ولا ساحرة بذكرياتي ، ولا أميرة بأحرفي ... كانت هي فقط سيّدة الموعد .. جالسة عند موقد الهدايا ... تحتفي بما تبقّى لها من أشياء ... وفوضى تغمر وجهها ... تنتظر من يرتّب تفاصيلها الصّغيرة .. ويشمّع وقتها المثقل بالنّعاس ...  ريثما تهدأ العاصفة ويسكت الخوف  نوافذه لتنفخ في الهواء فرحتها من غير صخب أو جلبة تحدثها أهازيج الغياب  ، وتطفئ على غفلة من أعواد الكبريت شمعها المعتّق بالسكّر ... وكأنّها تكتب بدايتها من نهايتها وتلعن شيئا اسمه الهجر كان أنا وكنت هو في يوم ممنوع فيه الحزن من تقاسم الضّجر...     بقلم : خديجة ادريس




ورجع قلبي بخفيّ حنين


ورجع قلبي بخفيّ حنين
 إلى روح رحلت بعيدا عن روحي



أفرغت مخالبها تلك الأوجاع المضطجعة في فمه ،ومضت عند عتبة غرفته المنعزلة تخيط ما تبقّى من روحه ، وسريره البارد يلقّنه آخر تعاويذه مع الزّمن ... لم يستأذن أحدا ومضى في غفلة مناّ خاليا من تقاسيم  وجهه  ، عاريا من ابتساماته في رحلة يبحث فيها عن ممتلكاته التي تركها عنوة حين باغته قبح المرض ، أليس مؤلما أن تتناثر قطعك الحزينة على شكل أوراق شيّعها الخريف إلى مثواها الأخير وأنت الواقف على رأس أفكاره ، الجالس على كومة أنفاسه تقرأ آخر ما سمعت من صوته ،وكأنّك صرت سريره الذي ينقل إليك ذبذبات ما تبقىّ منه عابرا خطوط ذكرياته ليستقرّ به المقام إلى قاعك مستأصلا  مقل حزنك ، ووجهك الممطر يصير لحظة انهيار مباغت سحبا تثقبها عصافير الدّهشة وتخيطها نداءات قلب خفق كثيرا حتّى أرهقه الصّراخ .... استيقظت فجأة على ضجيج النّاقلات والجسور وحركة النّاس المستعجلة لأجد نفسي في مكاني لم أبرح  أوجاعي ، وكأنّ الزّمن تعمّد استبطائي لأموت نزفا في طريق محظور فيه بيع السكّر ...للعابرين بين مقاهي الثّرثرة وفناجين قلبي مقلوبة على نواصيها ...  تعيدني إلى زمن غير بعيد ليلبسني صوته ويقمّصني دوره وكأنّي صرت هو محبوس بداخله أقرأ تفاصيله وأرتّب قطع أوجاعه التي لم يبح بها لأحد ... بل كانت هي من تشكوه طويلا وتلعن صموده في وجه سخطها ...بابتسامته الواثقة التي لم يعرف كنهها  أحد ... لا أدري كيف استوقفتني آخر كلماته وكأنّه بها يقول انتهت الرّحلة أي بنيّ لتبدأ  رحلة أخرى فقط كن صديقي الذي عهدتك دائما كن مكاني كن ابتسامتي كن أنا ... تهشّمت سروح كبريائي وحوّلتني إلى طفل صغير يبحث عن قشّة يخالها أمّه ليبكي على صدرها ويغسل ضعفه الذي صمد طويلا تحت أقنعته ... تراني سأرث ابتسامتك وجأش فحولتك .. تراها بداخلي ترتع جينات ومورّثات شهامتك  مستوحشا صرت فجأة أقلّب ذاك السّرير علّني أظفر بآخر ما ترك لي ... قميص ملبوس وسروال بارد استوقفتني أزراره المفتوحة وأنا عائد  بنعشه أبحث عنه ويبحث عنّي بابتسامته تلك استيقظت فجأة على صوت صراخي  فارّ من رحلة فزعي... خالي الوفاض إلا من وجعي ... بقلم : خديجة ادريس